ابن رشد
181
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
تدرك بتعلم . وذلك أن الخارق للمعتاد إذا كان خارقا في المعرفة بوضع الشرائع دل على أن وضعها لم يكن بتعلم ، وإنما كان بوحي من اللّه وهو المسمى نبوة . وأما الخارق الذي هو ليس في نفس ( اقرأ : جنس ) وضع الشرائع ، مثل انفلاق البحر وغير ذلك ، فليس يدل دلالة ضرورية على هذه الصفة المسماة نبوة . وإنما تدل إذا اقترنت إلى الدلالة الأولى . وأما إذا أتت مفردة فليس تدل على ذلك . ولذلك ليس تدل في الأولياء على هذا المعنى ، إن وجدت لهم ، لأن الصنف الآخر من الخارق ، وهو الدال دلالة قطعية ، ليس هو موجودا لهم . فعلى هذا ينبغي أن تفهم الأمر في دلالة المعجز على الأنبياء ، أعني أن المعجز في العلم والعمل هو الدلالة القطعية على صفة النبوة ، وأما المعجز في غير ذلك من الأفعال فشاهد لها ومقوّ . [ 265 ] فقد تبين لك أن هذا الصنف من الناس موجودون ومن أين وقع العلم للناس بوجودهم حتى نقل وجودهم إلينا نقل تواتر ، كما نقل إلينا وجود الحكماء والحكمة وغير ذلك ( 60 / ظ ) من أصناف الناس . [ 266 ] فإن قيل : فمن أين يدل القرآن على أنه خارق ومعجز من نوع الخارق الذي يدل دلالة قطعية على صفة النبوة ، أعني الخارق الذي في فعل النبوة الذي يدل عليها كما يدل الإبراء على صفة الطب الذي هو فعل الطب ؟ [ 267 ] قلنا يوقف على ذلك من وجوه : أحدها أن يعلم أن الشرائع التي تضمنها من العلم والعمل ليست مما يمكن أن يكتسب بتعلم بل بوحي . والثاني ما تضمن من الإعلام بالغيوب . والثالث من نظمه الذي هو خارج عن النظم الذي يكون بفكر وروية ، أعني : أنه يعلم أنه من غير جنس البلغاء المتكلمين بلسان العرب ، سواء من تكلم منهم بذلك بتعلم وصناعة وهم الذين ليسوا بأعراب ، أو من تكلم بذلك من قبل المنشأ عليه ، وهم العرب الأول . والمعتمد في ذلك على الوجه الأول . [ 268 ] فإن قيل : فمن أين يعرف أن الشرائع التي فيها ( - فيه - في القرآن ) العلمية والعملية ، هي بوحي من اللّه تعالى ، حتى استحق بذلك أن يقال فيه إنه كلام اللّه ؟ قلنا يوقف على هذا من طرق :